
ورشة الحقيبة الشفافة: مختبر بسيط يصنع إشكالية معقدة
في حيّ صناعي عادي، خلف واجهة متواضعة لا تلفت الأنظار، تعمل ماكينات تُنتج إحدى أكثر المواد ابتذالاً في حياتنا اليومية وأكثرها إشكالاً: الأكياس البلاستيكية. هذه الورشة المتواضعة تشكل حاجزاً بين عالم الصناعة البتروكيماوية المعقد وعالم المستهلك البسيط، حيث تتحول حبيبات بلاستيكية خام إلى رفيق عابر لكل عملية شراء، حاملاً في شفافيته تناقضات عصرنا.
آلة الزمن المصغّرة: من الحبيبة إلى الحقيبة
داخل جدران الورشة، تحدث عملية تحويل في غاية البساطة والتعقيد:
مرحلة التغذية: تنساب حبيبات صغيرة من مادة البولي إيثيلين - ابنة الصناعة البتروكيماوية - من صوامع التخزين إلى بطن الماكينة، كتدفق ناعم من الرمل الصناعي.
مرحلة الانصهار: داخل أسطوانة معدنية مسخنة، تذوب الحبيبات تحت وطأة الحرارة والاحتكاك، متحولة إلى عجينة لزجة وساخنة.
مرحلة التشكيل السحري: تندفع العجينة المصهورة عبر فتحة دائرية لتشكّل أنبوباً رفيعاً، ثم يُحقن هذا الأنبوب بهواء مضغوط فينتفخ كبالون طويل وشفاف.
مرحلة التصلب: يمر البالون البلاستيكي عبر حوض تبريد فيتصلب فوراً محافظاً على شكله، ثم يُمرّر بين بكرات معدنية ليتحول إلى شريط مزدوج.
مرحلة القص: تقطع أسلاك ساخنة الشريط إلى أطوال محددة، تاركة منطقة المقابض سليمة، لتُطوى الأكياس وتُربط في رزم جاهزة.
المفارقة المحمولة: خفة الظل وثقل الأثر
هنا تكمن المعضلة: الكيس البلاستيكي، برخص ثمنه وقدرته على حمل أضعاف وزنه، هو نتاج هندسة دقيقة. لكن متانته النسبية وخموله الكيميائي - اللذان يجعلانه مثالياً لحمل السلع - هما نفسها ما يحكم عليه بالبقاء قروناً في البيئة. إنه شاهد على مفارقة "الاستخدام الأحادي" في مواجهة "الأبدية البيئية".
الورشة على محك التغيير
مع تصاعد القلق البيئي، تجد هذه الورش نفسها مجبرة على التطور:
من النحافة إلى المتانة: يصنع البعض أكياساً أكثر سماكة لتصبح قابلة لإعادة الاستخدام
من الخلود إلى التحلل: يجرب البعض إنتاج أكياس قابلة للتحلل بإضافة مواد محفزة
من الخطية إلى الدائرية: تحاول ورش دمج البلاستيك المعاد تدويره في المواد الخام
من التخصص إلى التنويع: يضيف البعض خطوط إنتاج
مصانع لأكياس البلاستيك او قماشية أو ورقية